عبد الرحمن السهيلي
138
الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )
ولم يأت على أفعل إلا قليلاً ، وكان قياسه أن يكون مثل أنجد ، وأتهم ؛ لأنه من أم الغور ، فقد هبط ونزل ، فصار من باب غار الماء ، ونحو ذلك ، فإن أردت : أشرف على الغور ، قلت : أغار ، ولا يكون خارجاً عن القياس . وقوله : وليس عطاء اليوم * مانعه غداً معناه على رفع العطاء ونصب مانع ، أي : ليس العطاء الذي يعطيه اليوم مانعاً له غداً من أن يعطيه ، فالهاء عائدة على الممدوح ، فلو كانت عائدة على العطاء لقال : وليس عطاء اليوم مانعه هو ، بإبراز الضمير الفاعل ، لأن الصفة إذا جرت على غير من هي له برز الضمير المستتر بخلاف الفعل ، وذلك لسر بيناه في غير هذا الموضع لم يذكره الناس ، ولو نصب العطاء لجاز على إضمار الفعل المتروك إظهاره ، لأنه من باب اشتغال الفعل عن المفعول بضميره ، ويكون اسم ليس على هذا مضمراً فيها عائداً على النبي صلى الله عليه وسلم . وقوله : فانكحن أو تأبدا . يريد : أو ترهب ؛ لأن الراهب أبداً عزب فقيل له : متأبداً اشتق من لفظ الأبد . وقوله : فالله فاعبدا ، وقف على النون الخفيفة بالألف ، وكذلك فانكحن أو تأبدا ، ولذلك كتبت في الخط بألف ، لأن الوقف عليها بالألف ، وقد قيل في مثل هذا : إنه لم يرد النون الخفيفة ، وإنما خاطب الواحد بخطاب الاثنين ، وزعموا أنه معروف في كلام العرب ، وأنشدوا في ذلك : فإن تزجراني يا ابن عفان أزدجر * وإن تدعاني أحم عرضاً ممنّعا وأنشدوا أيضاً في هذا المعنى : وقلت لصاحبي : لا تحبسانا * بنزع أُصولها واجتثّ شيحا ولا يمكن إرادة النون الخفيفة في هذين البيتين ، لأنها لا تكون ألفاً ، إلا في الوقف ، وهذا الفعل قد اتصل به الضمير ، فلا يصح اعتقاد الوقف عليه دون الضمير ، وحكي أن الحجاج قال : يا حرسي اضربا عنقه ، وقد يمكن فيه حمل الوصل على الوقف ، ويحتمل أن يريد : اضرب أنت وصاحبك : وقد قيل في قوله سبحانه : « ألقيا في جَهَنَّم » إن الخطاب لمالك وحده حملا على هذا الباب ، وقيل : بل هو راجع إلى قوله تعالى : « سائق وشهيد » وفي القصيدة زيادة لم تقع في رواية ابن هشام وهي قوله في وصف الناقة : فأما إذا ما أدلجت ، فترى لها * رقيبين نجماً لا يغيب وفرقدا وقع هذا البيت بعد قوله : ليناً غير أحردا . وقوله في صفة النبي صلى الله عليه وسلم : أغار لعمري في * البلاد وأنجدا وبعده : به أنقذ اللّه الأنام من العمى * وما كان فيهم من يريع إلى هدى حديث الإراشي : فصل : وذكر حديث الإراشي الذي قدم مكة ، واستعدى على أبي جهل . قال ابن إسحاق : هو من إراش ، وهو ابن الغوث أو ابن عمرو ، بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ ، وهو والد أنمار الذي ولد ، بحيلة وخثعم . وإراشة الذي ذكر ابن هشام : بطن من خثعم ، وإراشة مذكورة في